درس في الإنتماء 2

كتبهاأبوجبر ، في 4 يوليو 2009 الساعة: 08:01 ص

درس في الإنتماء

كان الأب يتمنى أن يُرزق بولد ذكر ليكون سنداً لأختيه وعوناً عندالشدائد وللأسف تلاشت الأمنية ليسهر بعدها الليالي متمنياً أن تشفى زوجته من السرطان الذي داهم هذه العائلة الفقيرة بلا سابق إنذار ، وفي مصارعة هذا المرض الخبيث باع الرجل كل ما يباع من ممتلكاته من الجوهرة إلى الجرَّة وفي ليلة شديدة الظلمة انتصر السرطان ، وأخذ من الرجل الطيب رفيقة عمره ، تاركاً له وديعتها «فتاتان جميلتان» في أمس الحاجة إلى أمهما ، لكنه سلَّم أمره لربه وقرر أن يفني بقية عمره في حفظ الوداعة ، فاستدان مبلغاً زهيداً اشترى به بعض الحلويات ولعُب الأطفال وبدأ يخرج كل صباح بصحبة ابنتيه إلى مدرستهما لتكونا تحت نظره، ولكي يبيع على أطفال المدرسة الألعاب والحلويات وحين ينتهي دوام المدرسة يعود مع إبنتيه لتناول طعام الغداء ثم يخرج بعد صلاة العصر ليبيع قدراً من البطاط المسلوق . وهكذا مضت السنين طاوية حلوها ومرها ليجد الأب ابنتيه في الصف الثالث الثانوي ، ولمَّا حصلت البنتان في نهاية العام على معدل ممتاز تيقن والدهما أن هذه مكافأة له من رب العالمين ، العالم بقسوة معاناته وهنا وقف محتضناً ابنتيه قائلاً ودموعه تسيل فرحاً ، ستكتمل فرحتي بكن يوم تلبسن بالطوهات التخرج من الكلَّيات التي تحبونها وسأظل خادمكم الوفي الذي أهدته أماً محبةً لبنتيها . وعندما فتحت الجامعة أبوابها تمكنت إحداهن بالالتحاق بكلية الطب أمَّ الأخرى فقد اختارت كلية الإعلام – وهنا بدأ الفراق ..

لم تكن المشكلة في اختلاف مجال التعليم ولكن عواملاً أخرى عملت ليبرز التباين جلياً بين الأختين –فطالبة الإعلام تزداد تديناً وإلتزاماً فهي حريصة على العبادات وناشطة في العمل الخيري وكان الأب عندما يُسأل مثلاً – أين ابنتك ؟؟ يقول قبل الجواب أي بناتي ؟ هل المحجبة ؟ أم أختها ؟فقد صار لفظ ( المحجبة ) نعتاً يميزها عن أختها طالبة الطب التي تقول عن نفسها أنها تعشق الانفتاح وتُجل أفكار الغرب الداعية إلى الحرية والمساواة وتقدير المرأة .

لم تتوقف السنين ولم يتوقف الأب عن بيع البطاط والحلوى ، وهاهو اليوم بعين الإِعجاب يرى طفلتيه شابتين ، لم يبق على إنهائهما العام الجامعي الثالث سوى شهر واحد وبعد صلاة ظهر هذا اليوم تقدم رجل وأخذ بيد الأب الطيب وهناك في أبعد زاوية في المسجد دار بينهما حوار طويل وعندما عاد الأب إلى بيته نقل لبنته طالبة الطب ما قاله الرجل وسألها عن رغبتها بالزواج من ابن الرجل (المعروف بحسن خلقه)فرفضت رفضاً قاطعاً معللة رفضها بأنها لا تريد و… طموحاتها العلمية لاتسمح. وكان لها ذلك . وبعد ما يقارب العام وحين ماكانت طالبة الإعلام تمر بامتحان العام النهائي . تقدم أحد زملائها بطلب يدها ، وسأل الأب ابنته كما فعل مع أختها من قبل لكن هذه وافقت بلا تردد وكانت سعيدة بزواجها الذي سيتم بعد ستة أشهر ( لكن ستة أشهر فترة طويلة بالنسبة للأب الطيب فما بقي من حياته لا يبلغ حتى ثلث هذه الفترة . فبعد أقل من شهرين وفي إحدى الليالي بينما كان عائداً من السوق يحمل على ظهره كيساً من البطاط . رأى على مقربة منه سيارة يقودها حدث تسير بسرعة جنونية وفي أقل من ثانية غادر الرجل هذه الدنيا لاحقاً زوجته التي ظل وفياً لها أكثر من ستة عشر عاماً . رحل حاملاً بسمة لم تولد – وحلماً نام تحت جفون أغمضها جبروت الموت . رحل مجبراً على ترك ابنتيه بلا وداع…

تأخر زفاف الصحفية ستة أشهر لتتزوج بعد عام من خطبتها ولم تكن ستة أشهر ولا حتى ست سنوات تكفي لمحو الألم …. وبعد الزواج بثلاثة عشر يوماً سافرت البنت الأخرى إلى دولة أوربية لتكمل دراسة الطب في جامعة غربية قدمت لها منحة دراسية .. عملت الصحفية بإِحدى الصحف المتواضعة وداومت على كتابة مقالاً في مجلة شهرية وسخّرت بقية جهدها لبيتها وبعد سبع سنوات صارت أماً لخالد وفاطمة واشتهرت برآستها لجمعية خيرية لرعاية الأيتام .. ولم يكن ينغص حياتها ويثلم سعادتها إلا حال أختها التي طال اغترابها واصرارها على عدم الزواج . وما زاد الطين بلة ما رأته ذات صباح على موقع انترنت تابع للجامعة التي فيها أختها حيث نشر ذلك الموقع صوراً لأُختها ، وهي حاسرة الرأس وتلبس ما يكشف أجزاءً كثيرة من جسمها . ارتبكت أم خالد قليلاً ثم أرسلت إلى أختها رسالة طويلة عبر الإيميل خلاصتها « أختي الغالية لقد سلكت طريقاً ينافي انتمائك لعقيدتك وأمتك ، وتنكرتِ لقيمنا التي رابانا عليها أبونا» لكن الجواب كان مؤلماً وجاء فيه « لقد اخترت وهذا طريق سعادتي « وبمثل هاتين الرسالتين استمر التواصل بين الأختين طيلة ثمان سنوات ، وفي آخر رسالة للأخت المغتربة أبدت نيّتها في العودة ، لعل العودة تخفف معاناتها من مرض نفسي أصابها وفي منتصف ليلة غائمة حملت الطبيبة ثقل مرضها مغادرة أوربا وكلها شوق إلى رؤية أختها بعد غياب دام أكثر من خمسة عشر عاماً .

وهاهي وصلت لترى أن للمحجبة انتماءً أكسبها عائلة سعيدة ومركزاً اجتماعياً نعَمْ … لقد أبدعت المحجبة في دنياها –وبذرت سعياً مشكوراً لآخرتها.

أما هي فقد فقدت انتماءً بفقده فقدت جمال حياتها وللآخرة باب مفتوح للتآئبين

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر